يحيي بن حمزة العلوي اليمني

3

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الجزء الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ تتمة فن الثاني من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة ] [ تتمة باب الأول في كيفية استعمال المجاز وذكر مواقعه في البلاغة ] القاعدة الرابعة من قواعد المجاز في ذكر أسرار ومعناه اعلم أن علماء البيان وفرسان البلاغة بالإضافة إلى ترجمة هذه القاعدة فريقان : الفريق الأول : أدرجوها في ضمن قاعدة التشبيه ، ولم يفصّلوا بينهما تفصيلا وهذا هو الظاهر من كلام المطرزىّ ، فأما ابن الأثير فقد صرّح بكونهما بابا واحدا لا تفرقة بينهما وتعجّب ممن فصّل بينهما ، قال : وما أعلم كيف خفى على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه . وحكى أن بعض علماء البيان قد فصّل بينهما وغاير بين حقيقتيهما وهما عنده شيء واحد . الفريق الثاني : وهم الذين فرّقوا بينهما ، وهذا هو ظاهر كلام ابن الخطيب الرازي في نهاية الإيجاز ، وعبد الكريم صاحب التبيان ، فإنهم ميّزوا أحدهما عن الآخر وفرقوا بينهما ، وقالوا : إنّ التشبيه غير معدود من المجاز ، بخلاف التمثيل ، فإنه معدود من جملة قواعده ، وإن كانا كلاهما معدودا من أودية البلاغة ، فهذا مغزى كلام الفريقين في الرّدّ والقبول . وهذا الخلاف يقرب أن يكون لفظيا ، وليس وراءه كبير فائدة ، والمختار عندنا تفصيل نشير إليه ، وحاصله أنا نقول : القاعدة التي رسمناها من أجل التشبيه ، إنما كانت بمظهر الأداة ، كما أوردنا أمثلته ، وفصلناها وعددنا ما كان من التشبيه مضمر الأداة ، فهو من باب الاستعارة ، وأوضحنا الأمر فيما يظهر على القرب فيه التشبيه ، وما يستنبط على البعد فأغنى عن تكريره ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلّ ما كان من التمثيل تظهر فيه أداة التشبيه ، كالكاف ، وكأن ، فإنه معدود من جملة التشبيه ، ولا يفترقان بحال ؛ لأن التشبيه أكثر ما يطلق على ما كانت الأداة فيه ظاهرة ، فأمّا ما كانت الأداة فيه غير ظاهرة ، فهو التمثيل ، فإنه لا يقال له تمثيل إلّا إذا كان واردا على حدّ الاستعارة ، ولهذا فإنّ الزمخشرىّ رحمه اللّه في تفسير قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] الآية ، تارة يجعله من باب التمثيل ، وتارة يجعله واردا على حدّ الاستعارة ، وعلى الجملة فالأمر فيه قريب ، فإن الاستعارة ، والتمثيل ، والكناية ، كلّه معدود من أودية